السيد عبد الأعلى السبزواري
169
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
البحث الروائي . هذا ويمكن أن نقول بأنّ سجود الملائكة لآدم ( عليه السّلام ) يكون كاشفا عن تسخير اللّه تعالى أشرف مخلوقاته له وهم الملائكة الذين جعلهم اللّه تعالى حفظة للإنسان ، ووكّلهم في شؤون الأرض فيكون تسخير غيرهم لآدم ( عليه السّلام ) بالأولى ، وسيأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ . المراد بالملائكة هنا جميعهم لوجود القرينة على التعميم في قوله تعالى : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ سورة الحجر ، الآية : 30 ] وهذه الآية كسابقتها تبين فضل آدم ( عليه السّلام ) على غيره ، فإن السجود - سواء كان حقيقيا أو لم يكن كذلك - يستلزم أفضلية المسجود له من الساجد . ثم إنّ للعلماء والمفسرين كلاما في حقيقة إبليس . فعن جمع إنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن اتصف ببعض صفات الملائكة واستدلوا بقوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ سورة الكهف ، الآية : 50 ] وأنه تعالى بيّن حقيقته في ما حكاه اللّه تعالى عنه : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ سورة الأعراف ، الآية : 12 ] وحينئذ يكون الاستثناء منقطعا . وعن جمع آخرين أنه كان من الملائكة وتمسكوا بظاهر الآية فإنه كان مشمولا لأمره تعالى للملائكة بالسجود فيكون الاستثناء متصلا . والصحيح أن يقال : إنه لا ريب في مباينة إبليس مع الملائكة وشموله للأمر لا يستدعي كونه منهم ، فإنه ذات خبيث مفسد لأحد لفساده دلّس على الملائكة الروحانيين حتّى ظنوا أنه منهم . وقد اقتضت الحكمة الإلهية في خلقه لمصالح ليس في وسع البشر دركها - كما في سائر ما خلقها اللّه تعالى - ولعله منها أنه أحد طرفي الاختيار في الإنسان ، فإن اللّه يدعو إلى الجنّة والمغفرة وهو يدعو إلى النار والإنسان بينهما فإن شاء نبي دعوة اللّه وإن شاء لبى دعوة الشيطان ، وهذا هو الأمر بين الأمرين